أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
348
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كَذَبَ عَلَى اللَّهِ « 1 » وكل واحدة منها تقتضي أن المذكور فيها لا يكون أحد أظلم منه ، فكيف يوصف غيره بذلك ؟ وفي ذلك ثلاثة أجوبة : أحدها : - ذكره هذا السائل - وهو أن يخص كل واحد بمعنى صلته ، كأنه قال : لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد اللّه ، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللّه ، ولا أحد من الكذابين أظلم ممن كذب على اللّه ، وكذلك ما جاء منه . الثاني : أن التخصيص يكون بالنسبة إلى السبق لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقتهم في ذلك ، وهذا يؤول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية ونحوهما . الثالث : أن هذا نفي للأظلمية ، ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية ، لأن نفي المقيد لا يدل على النفي المطلق وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يكن مناقضا لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية ، وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر ، لأنهم متساوون في ذلك ، وصار المعنى : ولا أحد أظلم ممن منع وممن افترى وممن ذكّر ، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ، ولا يدل ذلك على أن أحد هؤلاء يزيد على الآخر في الظلم ، كما أنك إذا قلت : « لا أحد أفقه من زيد وبكر وخالد » لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر ، بل نفيت أن يكون أحد أفقه منهم لا يقال : إن من منع مساجد اللّه وسعى في خرابها ، ولم يفتر على اللّه كذبا ، أقل ظلما ممن جمع بين هذه الأشياء ، فلا يكونون متساوين في الأظلمية ، لأن هذه الآيات كلها في الكفار وهم متساوون في الأظلمية ، وإن كان طرق الأظلمية مختلفة . و « من » يجوز أن تكون موصولة فلا محل للجملة بعدها ، وأن تكون موصوفة فتكون الجملة في محل جر صفة لها و « مساجد » مفعول أول لمنع وهي جمع مسجد ، وهو اسم مكان السجود ، وكان من حقه أن يأتي على مفعل بالفتح لانضمام عين مضارعه ، ولكن شذ كسره كما شذت ألفاظ يأتي ذكرها ، وقد سمع « مسجد » بالفتح على الأصل ، وقد تبدل جيمه ياء ومنه : المسبد في لغة . قوله : أَنْ يُذْكَرَ ناصب ومنصوب وفيه أربعة أوجه : أحدها : أنه مفعول ثان لمنع تقول : منعته كذا . من أجله أي : كراهة أن يذكر ، وقال الشيخ « 2 » : « فتعين حذف مضاف أي دخول مساجد اللّه وما أشبهه » . والثالث : أنه بدل اشتمال من « مساجد » أي : منع ذكر اسمه فيها . الرابع : أنه على إسقاط حرف الجر ، والأصل : من أن يذكر ، وحينئذ يجيء فيها المذهبان المشهوران من كونها في محل نصب أو جر . و « في خرابها » متعلق بسعى . واختلف في « خراب » فقال أبو البقاء : « هو اسم مصدر بمعنى التخريب كالسلام بمعنى التسليم ، وأضيف اسم المصدر لمفعوله لأنه يعمل عمل الفعل . وهذا على أحد القولين في اسم
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 32 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 358 ) .